الشيخ عبد الغني النابلسي

20

كتاب الوجود

فإن من أسمائه « الحي القيوم » ، وأخبر تعالى أن السماوات والأرض قائمة بأمره « 1 » ، ولا شك أن الوجود الحق - سبحانه وتعالى - ظاهر باطن ، فهو ظاهر لكل بصر ولكل بصيرة ، وباطن أيضا عن كل بصر وكل بصيرة ، فمن حيث هو ظاهر تراه البصائر والأبصار ، ولا تعلمه ولا يحيطون به علما ، ومن حيث هو باطن تعلمه العقول والأفكار من غير أن تراه ، فهو ظاهر بذاته ، وباطن بأسمائه وصفاته ؛ لأن ذاته حقيقة حقة ، مطلقة بالإطلاق الحقيقي عن جميع القيود حتى عن قيد الإطلاق . فلهذا ترى ولا تعلم ، وأسماؤه وصفاته مراتب ونسب لا حقائق لها غير ذاته العلية . فلهذا تعلم ولا ترى ، وقد ورد علينا الوارد بهذه الأبيات ، فأحببنا إثباتها في هذا المكان ؛ لإدرار البركات ، وذلك قولنا : إن بين الوجود والموجود * حرف ميم بها مدار الشهود وحرف محمدي شريف * هو عين الآباء عين الجدود وهو إمكان كل شئ تبدأ * وهو نفس الرسوم نفس القيود وله دور كلمعة برق * وهي من غير وقفة وجمود وهو أمر الإله في كل خلق * بالتقادير في الشقاء والسعود ألف باستقامة وهي ميم * حيث دارت في خدمة المعبود والوجود الوجود ما زال عما * كان فيه بخطها الممدود وهي عقل يرى الإضافة حتما * لوجود المهيمن « 2 » المقصود

--> ( 1 ) سيأتي شرح ذلك قريبا . ( 2 ) المهيمن : الرقيب المبالغ في المراقبة والحفظ ، ومنه هيمن الطائر إذا نشر جناحه على أفراخه صيانة لها ، وقيل : الشاهد ؛ أي العالم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة ، وقيل : الذي يشهد على كل نفس بما كسبت ، ومنه قول تعالى : وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ( المائدة : 48 ) ؛ أي شاهدا عليه ، وقيل : القائم بأمور الخلق ، وقيل : أصله مؤيمن ، بدلت الهاء من الهمزة فهو مفيعل من الأمانة بمعنى الأمين الصادق الوعد . [ انظر : أسماء اللّه الحسنى أصول وبيان ( 10 ) ] .